المقريزي
315
المقفى الكبير
فقال : أريد أن يصار إلى أبوابنا الكتائب والمواكب والمقانب ! ولا أرضى بأن يجري علينا كالولدان والنسوان . فأعدت ذلك [ على ] أبيه فقال : ما أخوفني أن يخضب أبو القاسم هذه من هذه - وقبض على لحيته وهامته « 1 » . وعلم بذلك أبو القاسم فصارت بينه وبينه وقفة . ثمّ ذكر دوخلة خروجه من مصر إلى أن قال : ورد عليّ كتاب أبي القاسم فسرت إلى ميّافارقين ، فكان يسرّ حسوا في ارتغاء . قال لي يوما : لي أيّام ما رأيتك ؟ قلت : أعرضت حاجة ؟ قال : لا . أردت أن ألعنك . قلت : فالعنّي غائبا . قال : لا . في وجهك أشفى . قلت : ولم ؟ قال : لمخالفتك إيّاي فيما تعلم . وقلت له ، ونحن على أنس بيني وبينه : لي حرمات ثلاث : البلديّة ، وتربية أبيه [ لي ] ، وتربيتي لإخوته . قال : هذه حرم مهتكة : البلديّة نسب بين الجدران ، وتربية أبي لك منّة لنا عليك ، وتربيتك لإخوتي بالخلع والدنانير . [ و ] أردت أن أقول له : استرحت من حيث تعب الكرام ، فخشيت جنونه ، لأنّه كان جنونه مجنونا ، وأصحّ منه مجنون ، وأجنّ منه لا يكون ، و [ قد ] أنشد [ الطويل ] : جنونك مجنون ، ولست بواجد * طبيبا يداوي من جنون جنون بل جنّ جنانه ، ورقص شيطانه [ الطويل ] : به جنّة مجنونة ، غير أنّها * إذا حصّلت ، منه ألبّ وأعقل وقال لي ليلة : أريد أن أجمع أوصاف الشمعة السبعة في بيت واحد ، وليس يسنح لي ما أرضاه . فقلت : أنا أفعل هذا الساعة . قال : أنت جذيلها المحكّك وعذيقها المرجّب . فأخذت القلم من دواته وكتبت بحضرته [ الطويل ] : [ 464 أ ] لقد أشبهتني شمعة في صبابتي * وفي هول ما ألقى وما أتوقّع نحول ، وحرق في فناء ووحدة * وتسهيد عين واصفرار وأدمع فقال : كنت قد عملت هذا قبل هذا الوقت ! قلت : تمنعني سرعة الخاطر وتعطيني علم الغيب ؟ وقلت [ 395 أ ] : أنت ذاكر قول أبيك لي ولك وللبتّيّ الشاعر ولمحسن الدمشقيّ ، ونحن في الطارمة « 2 » : اعملوا قطعة قطعة فمن جوّد جلعت جائزته كتبها فيها - فقلت [ الكامل ] : بلغ السماء سموّ بي * ت شيد في أعلى مكان بيت علا حتّى تغوّ * ر في ذراه الفرقدان
--> ( 1 ) هذا الجواب تضمين لكلمة مشهورة للإمام عليّ بخصوص عبد الرحمن بن ملجم . انظرها في ترجمة ابن ملحم رقم 1440 . هذا وقد مرّ هذا الحوار في بداية الترجمة . ( 2 ) الطارمة : البهو أو الأريكة أو الخزانة الواسعة ( دوزي ) . وفي خصوص البتّي والمحسن الدمشقيّ انظر ما قالته بنت الشاطئ ص 56 . وفي مخطوطنا : البيتيّ .